ابن كثير

291

البداية والنهاية

له : لا حاجة لي في مبارزتك ، فقال : بلى ، فقال : لا ! فرجع عنه علي وتحاجز الناس يومهم ذلك ثم خرج في اليوم الخامس - وهو يوم الأحد - في العراقيين عبد الله بن عباس وفي الشاميين الوليد بن عقبة ، واقتتل الناس قتالا شديدا ، وجعل الوليد ينال من ابن عباس ، فيما ذكره أبو مخنف ويقول : قتلتم خليفتكم ولم تنالوا ما طلبتم ، ووالله إن الله ناصرنا عليكم . فقال له ابن عباس : فأبرز إلي فأبى عليه ويقال إن ابن عباس قاتل يومئذ قتالا شديدا بنفسه رضي الله عنه ، ثم خرج في اليوم السادس - وهو يوم الاثنين - وعلى الناس من جهة العراقيين قيس بن سعد ، ومن جهة أهل الشام ابن ذي الكلاع فاقتتلوا قتالا شديدا أيضا وتصابروا ثم تراجعوا ، ثم خرج الأشتر النخعي في اليوم السابع - وهو يوم الثلاثاء وخرج تليه قرنه حبيب بن مسلمة فاقتتلوا قتالا شديدا أيضا ولم يغلب أحد أحدا في هذه الأيام كلها . قال أبو مخنف : حدثني مالك بن أعين الجهني عن زيد بن وهب أن عليا قال : حتى متى لا نناهض هؤلاء القوم بأجمعنا ؟ ثم قام في الناس عشية الأربعاء بعد العصر فقال : الحمد لله الذي لا يبرم ما نقض وما أبرم لم ينقضه الناقضون ، لو شاء ما اختلف اثنان من خلقه ، ولا تنازعت الأمة في شئ من أمره ، ولا جحد المفضول ذا الفضل فضله ، وقد ساقتنا وهؤلاء القوم الاقدار وألقت بيننا في هذا المكان ، فنحن من ربنا بمرأى ومسمع فلو شاء لعجل النقمة وكان منه التعسير ( 1 ) حتى يكذب الله الظالم ، ويعلم الحق أين مصيره ، ولكنه جعل الدنيا دار الأعمال ، وجعل الآخرة عنده هي دار القرار * ( ليجزي الذين أسأوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ) * [ النجم : 31 ] ألا وأنكم لاقوا القوم غدا فاطيلوا الليلة القيام ، وأكثروا تلاوة القرن ، واسألوا الله النصر والصبر والقوة بالجد والحزم وكونوا صادقين . قال : فوثب الناس إلى سيوفهم ورماحهم ونبالهم يصلحونها قال : ومر بالناس وهم كذلك كعب ابن جعيل التغلبي فرأى ما يصفون فجعل يقول : أصبحت الأمة في أمر عجب * والملك مجموع غدا لمن غلب فقلت قولا غير كذب * إن غدا تهلك أعلام العرب قال : ثم أصبح علي في جنوده قد عبأهم كما أراد ، وركب معاوية في جيشه قد عبأهم كما أراد ، وقد أمر علي كل قبية من أهل العراق أن تكفيه أختها من أهل الشام فتقاتل الناس قتالا عظيما لا يفر أحد من أحد ولا يغلب أحد أحدا ، ثم تحاجزوا عند العشي ، وأصبح علي فصلى الفجر بغلس وباكر القتال ، ثم استقبل أهل الشام فاستقبلوه بوجوههم فقال علي فيما رواه أبو مخنف عن مالك بن أعين عن زيد بن وهب : اللهم رب السقف المحفوظ المكفوف الذي جعلته سقفا ( 2 ) لليل والنهار ، وجعلت فيه مجرى الشمس والقمر ومنازل النجوم ، وجعلت فيه سبطا من

--> ( 1 ) في الطبري والكامل : التغيير . ( 2 ) في الطبري 6 / 8 : مغيضا .